آداب ممارسة مهنة الطب

http://www.arabexperts.me/details_article.php?id=370

الكاتب: د. حسام ياغي 26-05-2012 :بتاريخ

للأسف في هذا الزمان طغي الطالح على الصالح وإنشغل الناس بجمع المال بأي وسيلة ويا ليتهم يعتبروا فقد مات الكثير من الأثرياء ولم يأخذوا شيئاً معهم إلى قبورهم المظلمة حيث ينتظر الدود لغزو أجسادهم.   وكل من عليها فان!

لم تَسلم المهن الإنسانية من شر الجشع وحُب تكديس المال لصرفها على تفاهات الحياة العصرية.   فقد أصبح الأستاذ في المدرسة شحّاذاً لدروس خصوصية من طلابه فلا داعي للتعليم أثناء الدوام.   وأصبح الطبيب منهمكاً بصرف الأدوية وأوامر الفحوصات المخبرية كي يحظى برحلة مجانية إلى بلدٍ ما.  وأصبحت المستشفيات تعج بالمرضى منتظرين عدد أقل من القليل من الأطباء فكيف لطبيب أن يعطي مريضه خمسة دقائق من الإهتمام عدى تحرير قائمة الأدوية دون مراعاة لإحتمال تناقضها مع بعضها البعض أو تكرارها تحت أسماء مختلفة.   أطباء لا يخافون الله.   كيف تسمح لهم أنفسهم بالتدني والخنوع لعروض مندوبي شركات الأدوية اللصوص:  رحلة درجة أولى للطبيب وعائلته كي يحضر مؤتمر ما في بلدة ما مع إكرامية أسبوع رفاهية مدفوع التكاليف بالكامل!!!   الهدف طبعاً معروف والضحية هو المريض المسكين بالإضافة لغيره من المتضررين.   أما رشاوي ذوي السلطات في المؤسسات السياسية والقضائية فحدَث بلا حرج ولا داعي للخوض بها فالجميع أدرى بالحال.  كفى جشعاً وفساداً وخافوا الله قبل فوات الأوان.

إنَّ صَلاح أفعال الإنسان مُرتَبِطٌ بصَلاح أخلاقِه؛ لأنَّ الفرع بأصله؛ فإذا صلَح الأصل صلَح الفرع، وإذا فسَد الأصل فسَد الفرع؛ يقول – تعالى -: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ الأعراف: 58

وتُمثِّل الأخلاق ركنًا أساسًا في حياة الإنسان فردًا وجماعة، وضرورةً إنسانيَّة لازمة لحياة المجتمعات، وبدونها يُصبِح الإنسان ذئبًا يعدو على أخيه الإنسان، ولا يمكن عندئذٍ إقامة حياة اجتماعية سليمة.

وللأخلاق في الإسلام مكانةٌ عظيمة جِدًّا؛ فهي جوهر الإسلام ورُوحه السارية في جميع جوانبه، وهي أحد أقسام الأحكام الشرعيَّة الثلاثة التي شرعها الله لعِباده المسلمين، ولهذه المكانة العظيمة دلائل كثيرة يَضِيق المقام عن ذكرها هنا.

للعمل في الإسلام مكانةٌ كبيرة ومنزلة رفيعة؛ حيث ينظر الإسلام إليه نظرةَ احتِرام وتكريم وإجلال، ولذلك مظاهر كثيرة في دين الله، أبرزها  أنَّ الإسلام قرن العمل بالجهاد في قوله – سبحانه -: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾  المزمل: 20 .

أما الطبيب المسلم فله سمات يتميَّز بها في الممارسة اليومية لمهنة الطب، ولقد عُني الإسلام بتربية المسلم في شتى مجالات الحياة، ولعلَّ من أهمها ما يتعلق بمهنة الطب .  إن الطبيب المسلم المتمسك بدينه قولاً وعملاً يتميز عن غيره من الأطباء بسمات شرف بها في الدنيا والآخرة. لإرتوائه من المعين الصافي، من كتاب الله وسنة رسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والتي رسمت للبشرية منهجاً متكاملاً للحياة الطيبة، والتي أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بها جميعاً معشر الأطباء المسلمين في ممارسة مهنة الطب.   ومن تلك السمات المباركة ما يلي :

1.     النية واحتساب الأجر من الله .

2.     الأمانة وإتقان العمل .

3.     الإحسان ومفهوم المراقبة .

4.     تزكية النفس والمحاسبة .

5.     طلب العلم المستمر .

6.     الشخصية المتميزة وحسن الخلق :
– التواضع .
– الصدق .
– الرحمة .
–  العدل.
–  التعاون وحب الخير للآخرين .
–  الحياء .
–  الحلم والأناة .
–  احترام حقوق المريض .
–  التفقه في الدين في المسائل الطبية حسب الاختصاص .
– إعطاء كل ذي حق حقه .

آداب ممارسة مهنة الطب

  مراعاة حسن الهيئة وتناسب اللباس :
ينبغي على الطبيب مراعاة حسن الهيئة وتناسب اللباس حتى لا يزري به ويسقط مروءته، ولكي لا تتزعزع ثقة المرضى فيه ،فلا يلبس ثوباً تحصل الشهرة فيه بتميّزٍ عن المعتاد بلون أو صفة تفصيل الثوب وشكل له ، أو هيئة في اللبس، أو مرتفع أو منخفض عن العادة ،فقد أخرج أبو داود في السنن من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “من لبس لباس شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة ثم تلهب فيه النار” وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : ” يحرم لبس الشهرة، وهو ما قصد به الارتفاع وإظهار الترفع، أو إظهار التواضع والزهد، لكراهة السلف ذلك ”

الصبر :
لا شك في أن مهنة الطب من أنبل المهن وأشرفها ، وكفاها شرفاً وكفى أهلها فخراً أن جعلها الله إحدى معجزات عيسى عليه السلام ،قال تعالى على لسان المسيح :{ وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله} ، فحينما يتعامل الطبيب مع مرضاه ومراجعيه فإنه قد يتعرض إلى العديد من المشكلات أو إلى بعض الكلمات التي تجرح شعوره وربما يتعرض إلى إيذاء شديد ، فينبغي عليه أن يتحلى بالصبر الجميل ، ويحتسب كل ذلك عند الله ، يقول تعالى {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وقال عز من قائل {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} وصح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم– أنه قال :” أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، يُبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرم البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ”

مواكبة ركب العلم :
يجب على الطبيب أن يصل نفسه بركب العلم فيواكب تقدمه ،وأن يكون متابعاً لأحدث ما توصل إليه العلم من حقائق واكتشافات طبية،لكي يكون ناصحاً لمرضاه، فالطبيب مسئوليته عن غيره تجعل وقته ليس خالصاً له ينفقه كيفما شاء ،وعليه أن يقدم لمرضاه أفضل ما توصلت إليه العلوم الطبية من معلومات وطرق علاج .

فإذا أراد الطبيب أن يكسب قلوب مرضاه فعليه بالعلم، وإن الجهل لا يأتي بخير، لذا كان يقول عمر بن عبد العزيز – رحمه الله-: ” من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ” فالطبيب محتاج إلى قدر كبير من المعلومات كي يستطيع معالجة المرضى وتشخيص حالاتهم، وربما يضطر الطبيب إلى تناول بعض الحقائق العلمية والأبحاث الطبية أو المستجدات في هذا العلم من أجل حل مشكلة أو إقناع مخالف أو إفحام خصم ،هذا بالإضافة إلى أن المرضى في الغالب لا يثقون ولا يقدرون حق التقدير إلا الطبيب العالم المستبصر بعلوم فنه، لذا قالت العرب: ” ليس شيء أعز من العلم ، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك “.

الأمانة :
الطبيب المسلم يحمل أمانة الإسلام وأمانة المحافظة على صحة المسلمين ورفع الضرر عنهم ، فيجب عليه الالتزام بخلق هذا الدين وأن يكون ذلك جزءا من طبع الطبيب الذي لا ينفك عنه ،يمارسه بلا تكلف في سره وعلانيته، مراقبا الله في كل تصرفاته، فالطبيب المسلم يستطيع الدخول إلى قلوب مرضاه دون أن ينطق بكلمة واحدة ، وذلك عن طريق الصفات الكريمة والأخلاق الحميدة، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث عمر – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :”كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته” ويقول أيضاً: “لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له”.

إنزال الناس منازلهم :
على الطبيب أن يراعي قاعدة “إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه” ، لأن إنزال الناس منازلهم أمر مطلوب شرعاً ،والالتزام به من أهم قواعد تعامل الطبيب مع الآخرين ،إذ لا يمكن أن يتساوى الناس في الدنيا ولا في الآخرة، فلا يستوي العالم والجاهل، ولا الجواد ولا البخيل ،كما لا يمكن أن يتعامل الإنسان مع الحاكم كما يتعامل مع المحكوم ،ولا يعني هذا أن الطبيب عليه أن يحتقر الفقراء والمساكين ويمجد الأغنياء والشرفاء، فهذا لا يجوز شرعاً، كما تأباه النفوس السوية، ولكن يجب عليه أن يحسن تعامله مع الجميع، وأن ينزل الناس منازل مختلفة،مع مراعاة تجنب الإساءة لأحد أو احتقاره ،ومن هذا المنطلق ينبغي إكرام الكريم وتوقير العالم وإجلال الشيخ الكبير واحترام الوجيه وتقدير الحاكم العادل إن كانوا من أهل الصلاح، أما الطغاة المجرمون فأولئك لا كرامة لهم ولا إجلال ولا تقدير.

الاستماع إلى مرضاه بأذن صاغية :
يجب على الطبيب أن يعطي المريض فرصة للحديث وأن لا يقاطعه وأن ينصت إليه ،وهذا خلق إسلامي رفيع ، فقد كان صلوات ربي وسلامه عليه أحسن الناس إنصاتاً للآخرين،جاء عتبة بن ربيعة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال له: يا ابن أخي فقال – صلى الله عليه وسلم – يا أبا الوليد أسمع فقال له عتبة ما قال حتى إذا فرغ قال له النبي – صلى الله عليه وسلم–: أو قد فرغت يا أبا الوليد قال نعم قال: فاسمع مني فأخذ النبي – صلى الله عليه وسلم– يتلو عليه من سورة فصلت … القصة.

فهنا لم يحسن الرسول – صلى الله عليه وسلم – الإنصات وترك المقاطعة فقط، بل منحه فرصة أخرى لإضافة أي شيء ربما نسيه أو غفل عنه فعلى الطبيب أن يكون بارعاً في الإنصات لمرضاه بالأذن وطرف العين وحضور القلب وعدم الإنشغال بتحضير الرد وعدم الاستعجال بالرد قبل إتمام الفهم.

التواضع لله :
ينبغي على الطبيب أن يتواضع لله تعالى ويشكره على أن وفقه لهذه الخدمة الجليلة، وأن لا يزين له الشيطان أن الشفاء يتم بعلم الطبيب وذكائه وفطنته، بل يرجع السبب إلى توفيق الله، وأن الطبيب بشر تجري على يديه أقدار الله جل وعلا بتوفيقه ومشيئته وإرادته وحكمه وعدله.

فالتواضع خلق كريم، يزيد الطبيب رفعة وعزاً ويحببه إلى قلوب الآخرين يقول الإمام القيم ابن القيم – رحمه الله-: “ومن مكايده – أي الشيطان–  أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوي الحاجات بوجه عبوس ولا تريهم بشراً ولا طلاقة، فيطمعوا فيك ويتجرءوا عليك، وتسقط هيبتك من قلوبهم، فيحرمك صالح أدعيتهم، وميل قلوبهم إليك، ومحبتهم لك فيأمرك بسوء الخلق، ومنع البشر والطلاقة مع هؤلاء، وبحسن الخلق والبشر مع أولئك، ليفتح لك باب الشر ويغلق عنك باب الخير”

احترام تخصصه الطبي :
على الطبيب أن يحترم تخصصه الطبي إذ أن الاختصاصات الطبية متعددة ومتنوعة، فيجب أن يقوم بإحالة المشكلات الطبية المعقدة إلى ذوي التخصص فيها عملا بالآية { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }، ولا يعني هذا، تنحصر اهتمامات الطبيب في تخصصه فحسب، بل عليه أن يلم إلماما معقولا بالخطوط العامة والعريضة لبقية الاختصاصات الأخرى .

المحافظة على أسرار المرضى :
حفظ أسرار الناس وستر عوراتهم واجب متعين على كل مسلم، وهو على الأطباء أوجب، لأن المريض يكشف أستاره طواعية أمام الطبيب، فيجب على الطبيب أن يصون أية معلومة صلت إليه وأن لا يشيع أمرها وأن يحيط هذه المعلومات بسياج من الكتمان، وقال – صلى الله عليه وسلم – : “من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ”

عدم كتمان العلم :
ينبغي على الطبيب أن ينشر العلم بيم الناس لتعليمهم القواعد الصحية التي تقيهم بإذن الله من الأمراض، فلا يجوز له أن يكتم العلم عن الناس فقد صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم– أنه قال: “من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة”.

استشارة إخوانه الأطباء في الحالات التي تستدعي ذلك:
ينبغي على الطبيب ألا يتوانى عن استشارة إخوانه الأطباء إن حيره أمر ما ، أو داخله شك معين في طلب المشورة تحقيقاً لمصلحة المريض،كما يجب عليه أن يقدم مشورته بصدق وأمانة ودون تردد إذا ما طلب منه ذلك مصداقاً لقوله – صلى الله عليه وسلم-: ” الدين النصيحة ” وقوله – صلى الله عليه وسلم- : “المستشار مؤتمن”.

ملخّص الشخصية المتميزة

قال تعالى : {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم :4.

وعن أنس رضي الله عنه قال : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً؟ متفق عليه

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: “إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً” متفق عليه.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول”:  إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم” رواه أبو داود .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ قال: ” تقوى الله، وحسن الخلق”. وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: “الفم والفرج” رواه الترمذي

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s