موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة

http://www.arabexperts.me/details_article.php?id=371

موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة

 

الرشوة موجودة منذ عُصور وبأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة.   فالفقير يرشو بماعز أو بإبنته القاصر والغني يرشي بمبالغ هائلة أو هدايا مُغرية.   الطبيب يستلم رشوته على شكل رحلة عمل لأسبوع أو أكثر مع عائلته في بلادٍ ربما يصعب عليه الذهاب إليها على نفقته الخاصة مقابل تصريف أدوية ربما باهظة الثمن أو خطيرة بآثارها الجانبية.  القاضي يرتشي بالنقود أو الهدايا الفاخرة كي يحكم لصالح الراشي رغم أنه لا يستحق ذلك الحكم.   المُدرّس يرتشي بدروس خصوصية أو تلفون أو كمبيوتر.   مدير المجمع السكني يرتشي كي يسمح للراشي بالتقدم إلى أعلى قائمة الإنتظار للحصول على مسكن.   مدير مشروع يرتشي كي يستلم مشروعٍ غير مطابق للمواصفات المتفق عليها.  كل نفس ضعيفة لها ثمنها.

إن حكم الرشوة في الإسلام لا يتغير لا في القديم ولا في الحديث ، وهي أن يدفع الشخص مبلغا من المال أو منفعة لصاحب سلطة ليعطيه شيئا لا يستحقه أو يدفع عنه أمرا واجبا عليه شرعا. وهي لا تجوز بحال، بل هي كبيرة من كبائر الذنوب، وتفضي إلى أنواع من الشرور والمفاسد الاجتماعية والأخلاقية وغيرها مما هو معروف. لكن من وقع عليه ظلم أو وجب له حق شرعي،ولم يستطع أن يدفع عنه الظلم، أو يصل إلى حقه الواجب له شرعا إلا يدفع مال أو نحوه ، فهذا إن شاء الله لا يعد راشيا، أما الآخذ لهذا المال فهو مرتش، لأن الواجب عليه دفع الظلم وإيصال الحق بدون أن يأخذ على ذلك ثمنا ما دام صاحب سلطة.

إن من أشد الجرائم التي تفسد المجتمعات، وتذهب بأخلاقها، وتمحو بركة مالها هي جريمة الرشوة، وهي منتشرة في كل مجتمع فيه ظلم وفساد ‏‏، وضعف في الوازع الديني. ‏

وقد حرم الإسلام على المسلم أن يسلك طريق الرشوة، وحرم قبولها وحرم التوسط بين الآخذين والدافعين. قال – تعالى-: ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم ‏بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)) <البقرة: 188>.

وقد أجمع الصحابة الكرام و التابعون الأفذاذ وعلماء الأمة الأجلاء على تحريم الرشوة بجميع صورها وأشكالها.‏

أما الآثار التدميرية للرشوة على المجتمع هي كما يلي:

 

‏1-‏ انحراف وفساد الجهاز الإداري أو أحد مؤسساته: فموظف الدولة يمتلك القدرة على إلغاء مشروع اقتصادي ضخم أو الموافقة على ‏قيامه، أو يقبل بضاعة رديئة أو بضاعة فاسدة صحيا أو حتى ممنوعة ومحرمة شرعا وقانونا، فيقبلها ويقبل استيرادها مقابل حفنة ‏عفنة من المال، وهذا له أثر بالغ على اقتصاديات وسياسات وأمن الوطن والمجتمع سلبيا.

 

‏2-‏ إن الرشوة تتعدى الحصول على مال أو عدم دفع مال مستحق ليصل الراشي من خلالها إلى مركز أو عمل أو موقع.  ويترتب عليها ‏شغل شخص لوظائف ليس على المستوى المطلوب ولا يتمتع بالكفاية الإنتاجية اللازمة، وقد يصل الراشي إلى هذا المنصب ليدمر ‏الكفاية الإنتاجية للجهاز الإداري، مما يتسبب بالتالي على عرقلة التنمية المتوقعة حسب الخطة المرسومة من قبل ولاة الأمر ‏وأصحاب الشأن العام.

 

‏3-‏ تدمير الموارد المالية للمجتمع.  فالرشوة تدفع المرتشي إلى قبول مشاريع ناقصة أو غير مطابقة للمواصفات والمقاييس المطلوبة، مما يتسبب في انهيار جسر أو ‏عمارة أو تسليم بضاعة تالفة أو أدوية منتهية الصلاحية أو أغذية فاسدة أو لا تصلح للإستهلاك الآدمي، أو مواد لها آثار سلبية على ‏الطرق أو الكهرباء أو المياه وشتى الخدمات التي لها مساس بمصلحة المجتمع.

 

‏4-‏ تدمير الأخلاق في المجتمع.  إن تفشي ظاهرة الرشوة في مجتمع ما كفيلة بتدمير أخلاقياته وقيمه وفقدان الثقة وعدم المبالاة والتسيب وعدم الولاء والانتماء، ‏والإحباط في العمل وتأخير الإنجاز، كالمهندس في دائرته لا يوقع على معاملة حتى يستلم مقدما أن المشروع أو المبنى صالح ‏كهربائيا أو إنشائيا من حيث مواد البناء، ومواصفات التشطيب، وهكذا، وإذا لم يدفع له لا يتم التوقيع.

 

‏ 5- والرشوة تدمير جسدي للمجتمع والبشرية.  كما لو حدث انهيار في المباني الكبيرة المأهولة بالسكان، فتدمر من فيها من السكان وتذهب الأموال والأنفس، وتتلف صحة البشر ‏‏، وتحدث الإعاقات الجسدية، وكما لو حدثت الرشوة في مشروع لإنتاج الدواء أو تقديم الخدمات الطبية أو الغذائية أو خدمات صيانة ‏مرافق مشروع، أو في بعض المشاريع ذات الأهمية بالنسبة للجمهور كالمجمعات أو المدارس والمستشفيات والملاعب والطرق ‏وغيرها.‏

 

‏ 6- الرشوة تمنع رجال الأعمال الصالحين من المشاركة في دخول المناقصات‏ والتعهدات التي تطرح لتنفيذ مشاريع حكومية إنشائية أو خدمية.  ولو علم‏ رجال الأعمال أو المقاولون الصالحون الذين يخافون الله ويتحرون الرزق الحلال أن الرشوة يجب أن تقدم للفوز بمناقصة ما، في الدولة فإنهم ‏ لا يقدمون على دخولها، وينأون بأنفسهم عن فتح باب الرزق الحلال، بمفتاح محرم يلوث الباب إن فتح به، فبغيابهم يتاح لغيرهم من العناصر ‏الفاسدة الذين ليس لديهم دين يردعهم أو وازع يمنعهم من دفع الرشوة‏‏ للفوز بالمناقصة، ويخرج الصالحون من المنافسة وهم الذين كان لديهم ‏الاستعداد لينافسوا بشرف وذمة ويقدموا أفضل الأسعار والمواصفات مما يوفر على الدولة الكثير من الجهد والمال والوقت.

 

‏ 7- مواجهة الرشوة تكلف الدولة نفقات باهظة.  لما أهمل الموظفون في بعض الدول الإسلامية جانب الدين والصلاح والأمانة والعفة ‏والمشورة لأهل الرأي والخبرة والعلم والحكمة تكلفت الدول أموالا طائلة لمواجهة الراشي والمرتشي ومحاسبتهم ومكافحة الفساد الإداري ‏فأنشأت دوائر تشريعية وتنفيذية ورقابية وتحقيقيه مثل ديوان المظالم، والمباحث الإدارية، وهيئة الرقابة والتحقيق، وديوان المراقبة العامة، ‏وغيرها من الدوائر ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة والمساندة وغيرها، وسنت قوانين لمراقبة من تظهر عليه علامات الثراء السريع ‏والمفاجئ، ومن أين لك هذا ومراقبة الحسابات والتحويلات، وغيرها مما يضع العناصر الفاسدة تحت المراقبة وتحت المجهر، وخاصة ممن ‏تدور حولهم الشبهات وممن تشير إليهم أصابع الاتهام. ‏

 

وكل هذه الدوائر والموظفون يحتاجون إلى ميزانيات ورواتب ومكافآت حتى يؤدوا عملهم المناط بهم على أكمل وجه، وكلها تثقل ميزانية الدولة ‏‏، إذن فالرشوة التي هي رأس أفعى الفساد الإداري تكلف الكثير من اجل محاربتها، ‏ولو ترك المجرمون المرتشون والراشون هذه العادة السيئة والبغيضة عند الله وعند الأسوياء من البشر، لتوفرت للدولة الأموال الطائلة ‏والجهود لصرفها قي مصالح أخرى أجدى وأنفع لبناء المجتمع.

 

الرشوة من كبائر الذنوب التي حرمها الله على عباده، ولعن رسوله صلى الله عليه وسلم من فعلها، فالواجب اجتنابها والحذر منها، وتحذير الناس من تعاطيها، لما فيها من الفساد العظيم، والإثم الكبير، والعواقب الوخيمة، وهي من الإثم والعدوان اللذين نهى الله سبحانه وتعالى عن التعاون عليهما في قوله:  (وَتَعَاوَنُوا على البِرّ والتَّقْوى وَلا تَعَاوَنُوا على الإثْمِ والعُدْوان) <المائدة:2>

وقد نهى الله عزّ وجلّ عن أكل أموال الناس بالباطل، فقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تأْكُلُوا أموالكُم بينَكُمْ بالباطل إلا أن تكونَ تجارةً عن تراضٍ مِنْكُم) <النساء: 29>

وقال سبحانه:  (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتُدلوا بها إلى الحُكّام لتأكلوا فريقاً من أموال النّاس بالإثْمِ وأنْتُم تعلمون) <البقرة: 188>

فاتقوا الله أيها المسلمون، واحذروا سخطه، وتجتبوا أسباب غضبه فإنه جلّ وعلا غيور إذا انتهكت محارمه.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s